كيف تبحث عن قصيدة عربية ولا تذكر منها إلا القليل
أكثر ما يُطلب من الشعر العربي يُطلب ناقصًا: شطرٌ عالقٌ في الذهن دون قائله، أو معنًى يُذكر ولا تُذكر ألفاظه، أو وزنٌ يتردّد في الأذن بلا بيت. والمشكلة أنّ أكثر أرشيفات الشعر مبنيّةٌ على افتراضٍ واحد: أنّك تعرف اسم الشاعر. وهو افتراضٌ يسقط في أكثر الحالات. وقد وازنّا بين أبرز مواقع الشعر العربي في مقالٍ مستقل.
وهذه أربع طرقٍ للوصول، مرتّبةً بحسب ما تذكره.
إن كنت تذكر بعض ألفاظ البيت
هذه أيسر الحالات وأكثرها إخفاقًا في الوقت نفسه، والسبب في الإخفاق لا في الحالة.
ثلاث قواعد عملية:
- ابحث بثلاث كلماتٍ متتابعة فأكثر. الكلمة الواحدة تعطيك آلاف النتائج، والتتابع الثلاثي يكاد يكون بصمةً للبيت.
- خذها من وسط البيت لا من أوّله. فأوائل الأبيات تكثر فيها أدوات متشابهة — «وقد» و«ألا» و«فلمّا» — وتتكرّر في كل مكان. أمّا وسط البيت ففيه المعنى الخاصّ.
- اطرح التشكيل. النصوص المفهرسة نادرًا ما تُشكَّل، فوجود الشكل في استعلامك يمنع المطابقة لا غير.
لماذا يُخفق البحث العربي؟
لأنّ الصوت الواحد في العربية يُكتب بأشكال، والمطابقة الحرفية لا تعرف ذلك.
فالهمزة تُكتب «أ» و«إ» و«آ» و«ا»، ومن كتب «احمد شوقي» بلا همزةٍ لم يُصب «أحمد شوقي». والألف المقصورة «ى» تُكتب ياءً «ي»، فـ«الاعشى» و«الأعشي» و«الأعشى» ثلاث صور للفظٍ واحد. والتاء المربوطة «ة» تُكتب هاءً «ه». ثم التطويل — تلك الشرطة الممدودة بين الحروف — يُدخله الناسخ للزينة فيقطع الكلمة عن نظيرتها.
وهذه ليست أخطاءً من الباحث، بل هي العربية كما تُكتب فعلًا.
وعلاج ذلك أن يُوحَّد الرسم قبل الموازنة: تُردّ الهمزات كلّها إلى الألف، والألف المقصورة إلى الياء، والتاء المربوطة إلى الهاء، ويُسقط التشكيل والتطويل، ثم يُجرَّد اللفظ إلى أصله فيصيب البحثُ مشتقّاته. وهكذا يستوي عند المحرّك أن تكتب «احمد» أو «أحمد».
وهذا ما يفعله قافية قبل كل استعلام، فتكتب ما تذكره كما تذكره. وفيه إلى جانب ذلك خيار «التطابق الحرفي» لمن أراد نصًّا بعينه كما كُتب، وهو نافعٌ حين تكون واثقًا من الرسم وتريد البيت نفسه لا ما يشبهه.
إن كنت تذكر الوزن أو القافية
قد ينقطع اللفظ ويبقى الإيقاع. تذكر أنّ القصيدة كانت على إيقاع «فعولن مفاعيلن»، أو أنّ أبياتها كانت تنتهي بالراء. وهذا مدخلٌ صالح إن كان الأرشيف مفهرسًا به.
- بالبحر: إن عرفت أنّها من الطويل أو الكامل حصرت البحث في بابٍ واحد. وقد كتبنا عن بحور الشعر الستة عشر وكيف تعرف بحر القصيدة في مقالٍ مستقل.
- بالقافية: حرف الرويّ يُلتزم في القصيدة كلّها، فمن ذكره ذكر ما يُصنَّف به الشعر كلُّه. والقوافي أربعةٌ وثلاثون حرفًا، أكثرها الألف ثم الراء ثم الباء.
إن كنت تذكر الموضوع أو العصر
وهذه أضعف الخيوط وأنفعها حين تنقطع البقيّة.
فـالأغراض تسعة: النسيب والمديح والرثاء والهجاء والعتاب والزهد والحكمة والحماسة، وما لم يندرج تحتها في «المتفرّقات». فإن كنت تذكر أنّ البيت في رثاء، فذلك يحصر ما تقرؤه في خمسة آلاف قصيدةٍ بدل ثمانين ألفًا.
والعصور ستة: الجاهلي والإسلامي والأموي والعبّاسي والأندلسي والمتأخّر. ومعرفة العصر تُضيّق الدائرة كثيرًا، وكثيرًا ما تُعرف من لغة البيت نفسه: فخشونة اللفظ وغرابته تدلّان على الجاهلي، ورِقّة الديباجة تدلّ على العبّاسي.
واجتماع محورين يكاد يكفي: رثاءٌ من الطويل في العصر العبّاسي مجموعةٌ صغيرة تُتصفَّح بالعين.
الطريقة التي تصلح حين لا تذكر شيئًا
أن تقرأ على غير قصد. وهذا ليس بحثًا، لكنه أقرب طرق الشعر إلى النفس: تفتح قصيدة عشوائية بعد أخرى حتى يقع في يدك ما لم تكن تطلبه. وكثيرًا ما يعود البيت الضائع إلى الذاكرة من بابٍ غير الباب الذي طُلب منه.